عبر وعظات من رحلة إسلام سلمان الفارسي رضي الله عنه أولاً: سلمان الخير الفارسي رضي الله عنه يبحث عن الراحة: سلمانُ الفارسيُّ رضي الله عنه صحابيٌّ معروف، هو من كبار الصحابة، شابٌّ من بلاد فارس، أصله من عائلة من الأكابر والأمراء في بلاد فارس، فهو يُعرِّفُ بأصله فيقول رضي الله عنه: "أنا مِن رامَهرمز"[1]. فتح سلمانُ الفارسي رضي الله عنه عينَيْه في الحياة وهو مِن أبناء الدهاقنة، وقد توفَّر له كل شيء من أمور الحياة لا ينقصه شيء، ولم يكن ذلك يُريحه، لقد كان شعورٌ غريبٌ يلازمه، يُقلِقه أو يبعَث في نفسه شعورًا بعدم الراحة، فقرَّر أن يسير في رحلةٍ للبحث عن الراحة، ولم يكن يعلم طولَها ومشقَّتها وإلى أين ستذهب به! ولكنه برغم ذلك قرَّر الشروع في الرحلة. تحوَّل رضي الله عنه في بدايةِ أمره إلى النصرانية، فكان في دير مع قسٍّ من القساوسة حتى مات ذلك القسُّ، كشَف سلمان رضي الله عنه زيفَ ذلك القس بعد أن اكتشف سرقتَه لأموال الناس! استمر سلمان رضي الله عنه بالبحث، وصار يسأل الناس عمَّن يبعث في نفسه الراحة، فهو رضي الله عنه يُحدِّث صديقه عبدالله بن عباس رضي الله عنه بقصته: فـ(عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، قال: حدَّثني سلمان الفارسي حديثَه من فِيه، قال: كنت رجلًا فارسيًّا من أهل أصبهان، من أهل قرية منها يقال لها: جي، وكان أبي دهقان قريتِه، وكنتُ أحبَّ خلقِ الله إليه، فلم يزَلْ به حبه إياي حتى حبَسَني في بيته كما تُحبَس الجارية، واجتهدتُ في المجوسية حتى كنت قَطَنَ النارِ الذي يُوقِدها لا يتركها تخبو ساعةً، قال: وكانت لأبي ضيعةٌ عظيمة، قال: فشغل في بنيان له يومًا، فقال لي: يا بُني، إني قد شُغِلت في بنيان هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهَبْ فاطَّلِعها، وأمرني فيها ببعضِ ما يريد، فخرجتُ أريد ضيعته، فمررتُ بكنيسةٍ مِن كنائس النصارى، فسمِعتُ أصواتهم فيها وهم يُصلُّون، وكنت لا أدري ما أمرُ الناس؛ لحبس أبي إياي في بيته، فلما مررتُ بهم، وسمعت أصواتهم، دخلت عليهم أنظر ما يصنعون، قال: فلما رأيتهم أعجبني صلاتهم، ورغِبتُ في أمرهم، وقلت: هذا والله خيرٌ مِن الدين الذي نحن عليه، فواللهِ ما تركتهم حتى غربت الشمس، وتركت ضيعةَ أبي ولم آتِها، فقلتُ لهم: أين أصلُ هذا الدين؟ قالوا: بالشام، قال: ثم رجعت إلى أبي، وقد بعَث في طلبي وشغلتُه عن عمله كلِّه، قال: فلما جئتُه، قال: أي بني، أين كنتَ؟ ألم أكن عهدتُ إليك ما عهدت؟ قال: قلت: يا أبتِ، مررتُ بناسٍ يُصلُّون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت من دينهم، فواللهِ ما زلتُ عندهم حتى غربت الشمس، قال: أيْ بُني، ليس في ذلك الدين خيرٌ، دينُك ودين آبائك خير منه، قال: قلتُ: كلا والله، إنه لخيرٌ من ديننا، قال: فخافني، فجعل في رِجْلي قيدًا، ثم حبَسني في بيته، قال: وبعثتُ إلى النصارى فقلت لهم: إذا قدِم عليكم ركبٌ مِن الشام تجار من النصارى فأخبروني بهم، قال: فقدم عليهم ركبٌ من الشام تجار من النصارى، قال: فأخبروني بهم، قال: فقلت لهم: إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعةَ إلى بلادهم فآذنوني بهم، قال: فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم، فألقيتُ الحديدَ مِن رِجلي، ثم خرجتُ معهم حتى قدمتُ الشام، فلما قدمتُها، قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف في الكنيسة، قال: فجئتُه، فقلت: إني قد رغبتُ في هذا الدين، وأحببتُ أن أكون معك أخدمك في كنيستك، وأتعلَّم منك وأصلي معك، قال: فادخُلْ، فدخلت معه، قال: فكان رجل سوءٍ، يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه منها أشياء، اكتَنَزه لنفسه، ولم يُعطِها المساكين، حتى جمع سبعَ قِلالٍ من ذهبٍ ووَرِقٍ، قال: وأبغضتُه بغضًا شديدًا لما رأيته يصنع، ثم مات، فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء، يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها، فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه، ولم يُعطِ المساكين منها شيئًا، قالوا: وما علمُك بذلك؟ قال: قلت أنا أدلُّكم على كنزه، قالوا: فدلنا عليه، قال: فأريتهم موضعه، قال: فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبًا ووَرِقًا، قال: فلما رأَوها قالوا: والله لا ندفنه أبدًا فصَلَبوه، ثم رجَمُوه بالحجارة، ثم جاؤوا برجلٍ آخر، فجعلوه بمكانه، قال: يقول سلمان: فما رأيت رجلًا لا يصلي الخمس، أرى أنه أفضل منه، أزهد في الدنيا، ولا أرغب في الآخرة، ولا أدأَب ليلًا ونهارًا منه، قال: فأحببتُه حبًّا لم أحبَّه مَن قبلَه، فأقمتُ معه زمانًا، ثم حضرته الوفاة، فقلت له: يا فلان، إني كنت معك وأحببتُك حبًّا لم أحبَّه مَن قبلك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله، فإلى مَن تُوصِي بي، وما تأمرني؟ قال: أي بُني، والله ما أعلم أحدًا اليوم على ما كنت عليه، لقد هلك الناس وبدَّلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه، إلا رجلًا بالموصل، وهو فلانٌ، فهو على ما كنتُ عليه، فَالْحَقْ به، قال: فلما مات وغُيِّب، لحقتُ بصاحب الموصل، فقلت له: يا فلان، إن فلانًا أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك على أمره، قال: فقال لي: أقم عندي، فأقمت عنده، فوجدتُه خيرَ رجلٍ على أمر صاحبه، فلم يلبث أن مات، فلما حضرَتْه الوفاة، قلت له: يا فلان، إن فلانًا أوصى بي إليك، وأمرني باللحوق بك، وقد حضرك مِن الله عز وجل ما ترى، فإلى مَن توصي بي، وما تأمرني؟ قال: أي بُني، والله ما أعلم رجلًا على مثل ما كنا عليه إلا بنَصِيبين، وهو فلان، فَالْحَقْ به، قال: فلما مات وغُيِّب لحقتُ بصاحب نَصِيبين، فجئتُه فأخبرته خبري، وما أمرني به صاحبي، قال: فأقِم عندي، فأقمت عنده، فوجدتُه على أمر صاحبَيْه، فأقمت مع خيرِ رجلٍ، فوالله ما لبث أن نزل به الموت، فلما حضر، قلت له: يا فلان، إن فلانًا كان أوصى بي إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى مَن توصي بي، وما تأمرني؟ قال: أي بني، والله ما نعلم أحدًا بقي على أمرِنا آمُرُك أن تأتيَه إلا رجلًا بعَموريَّة، فإنه على مثل ما نحن عليه، فإن أحببتَ فأتِه، قال: فإنه على أمرنا، قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب عَمورِيَّة، وأخبرتُه خبري، فقال: أقِم عندي، فأقمتُ مع رجلٍ على هَدْي أصحابه وأمرِهم، قال: واكتسبتُ حتى كان لي بقراتٌ وغُنَيمة، قال: ثم نزَل به أمر الله، فلما حضر قلت له: يا فلان، إني كنت مع فلان، فأوصى بي فلان إلى فلان، وأوصى بي فلان إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى مَن تُوصِي بي، وما تأمُرني؟ قال: أي بني، والله ما أعلمُه أصبح على ما كنا عليه أحدٌ من الناس آمرك أن تأتيَه، ولكنه قد أظلَّك زمانُ نبِيٍّ، هو مبعوث بدين إبراهيم يخرُجُ بأرض العرب، مهاجرًا إلى أرض بين حرَّتينِ، بينهما نخل، به علامات لا تخفى: يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفَيْه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحَق بتلك البلاد فافعَلْ، قال: ثم مات وغُيِّب، فمكثتُ بعمورية ما شاء الله أن أمكث، ثم مرَّ بي نفر من كلبٍ تجارًا، فقلتُ لهم: تحملوني إلى أرض العرب، وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه؟ قالوا: نعم، فأعطيتهموها وحملوني، حتى إذا قدِموا بي وادي القرى، ظلموني فباعوني من رجل من يهود عبدًا، فكنتُ عنده، ورأيت النخل، ورجوتُ أن تكونَ البلد الذي وَصَف لي صاحبي، ولم يَحِقْ لي في نفسي، فبينما أنا عنده، قدِم عليه ابن عمٍّ له من المدينة من بني قُرَيظة، فابتاعني منه، فاحتملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتُها فعرفتُها بصفة صاحبي، فأقمتُ بها وبعث الله رسولَه، فأقام بمكة ما أقام، لا أسمع له بذكرٍ، مع ما أنا فيه من شغل الرقِّ، ثم هاجر إلى المدينة، فواللهِ، إني لفي رأسِ عَذْقٍ لسيدي أعملُ فيه بعض العمل، وسيدي جالس؛ إذ أقبل ابنُ عم له حتى وقف عليه، فقال: فلانُ، قاتَلَ الله بني قَيْلَةَ، والله إنهم الآن لمجتمعون بقُباء على رجلٍ قدِم عليهم من مكة اليوم، يزعمون أنه نبي، قال: فلما سمعتُها أخذَتْني العُرَواء[2]، حتى ظننتُ سأسقط على سيدي، قال: ونزلت عن النخلة، فجعلت أقول لابن عمِّه ذلك: ماذا تقول؟ ماذا تقول؟ قال: فغضب سيدي فلكَمَني لكمةً شديدة، ثم قال: ما لك ولهذا؟ أقبِل على عملك، قال: قلت: لا شيء، إنما أردت أن أستثبته عما قال، وقد كان عندي شيء قد جمعتُه، فلما أمسيتُ أخذته، ثم ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء، فدخلت عليه، فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجلٌ صالح، ومعك أصحابٌ لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتُكم أحقَّ به مِن غيركم، قال: فقرَّبته إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ((كُلُوا))، وأمسك يدَه فلم يأكل، قال: فقلت في نفسي: هذه واحدة، ثم انصرفتُ عنه فجمعت شيئًا، وتحوَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ثم جئتُه به، فقلت: إني رأيتُك لا تأكل الصدقة، وهذه هديةٌ أكرمتُك بها، قال: فأكَل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وأمر أصحابه فأكلوا معه، قال: فقلت في نفسي: هاتان اثنتان، قال: ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببقيعِ الغَرْقد، قال: وقد تبِع جنازةً مِن أصحابه، عليه شملتانِ له، وهو جالس في أصحابه، فسلَّمتُ عليه، ثم استدرتُ أنظر إلى ظهره، هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي؟ فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم استدبَرْتُه، عرَف أني أستثبت في شيء وُصِف لي، قال: فألقى رِداءه عن ظهره، فنظرتُ إلى الخاتم فعرَفتُه، فانكببتُ عليه أُقبِّله وأبكي، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تحوَّل))، فتحوَّلت، فقصصت عليه حديثي كما حدَّثتُك يا بنَ عباس، قال: فأعجَبَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن يَسمع ذلك أصحابُه، ثم شغل سلمانَ الرقُّ حتى فاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرٌ وأُحُدٌ، قال: ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كاتِبْ يا سلمان))، فكاتبتُ صاحبي على ثلاثمائة نخلةٍ أُحيِيها له بالفقير، وبأربعين أوقيَّة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ((أعينوا أخاكم))، فأعانوني بالنخل: الرجل بثلاثين وَدِيَّة، والرجل بعشرين، والرجل بخمسَ عشرةَ، والرجل بعشر؛ يعني: الرجل بقدر ما عنده، حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اذهَبْ يا سلمان ففقِّر[3] لها، فإذا فرغتَ فأتِني أكون أنا أضعها بيدي))، قال: ففقَّرتُ لها، وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغت منها جئتُه فأخبرتُه، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معي إليها، فجعلنا نُقرِّب له الوَدِيَّ ويضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدِه، فوالذي نفس سلمان بيده، ما ماتت منها ودية واحدة، فأدَّيتُ النخل، وبقي عليَّ المال، فأُتِي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل بيضةِ الدجاجةِ مِن ذهب من بعض المغازي، فقال: ((ما فعل الفارسي المكاتب؟))، قال: فدُعيت له، فقال: ((خذ هذه فأدِّ بها ما عليك يا سلمان))، فقلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما عليَّ؟ قال: ((خُذْها، فإن الله سيؤدي بها عنك))، قال: فأخذتُها فوزنت لهم منها، والذي نفس سلمان بيده، أربعين أوقية، فأوفيتهم حقَّهم، وعَتَقْتُ، فشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق، ثم لم يَفُتْني معه مشهد"[4]. ثانيًا: عبر وعظات من رحلة سلمان الفارسي رضي الله عنه: من آثار الرحلة المباركة في مسيرة البحثِ عن الراحة للصحابيِّ الكريم سلمان الخير الفارسي رضي الله عنه، نخرج بمجموعةٍ من العِبَر التي تكون لنا نجومًا زاهرة نقتدي بها؛ ومنها: • لا بد لكلِّ صاحب قضية من رحلةٍ يبحث فيها عن راحتِه وعن ذاته وعن طموحه، وتتباين الرحلات بين الأفراد، فهناك رحلةٌ زمانية فقط، وهناك رحلة زمانية ومكانية، وهناك رحلة رُوحية وعقلية، المهم أن يتحوَّل بعدها من حال إلى حال أفضل. • على الرغم من أنه من طبقةٍ اجتماعية رفيعة ومرفَّهة، وكان سلمان رضي الله عنه الولدَ المدلَّل الذي لم يكن لينقصَه شيء، فإنه لم يَثْنِه كلُّ ذلك من المباشرة برحلته؛ لأنه اقتنع تمامَ الاقتناع أن ما فيه من راحة نسبية إنما هي راحةٌ مزيفة، فصار لا بد له من البحثِ عن الحقيقية، وعن كل ما يتعلَّق بها؛ لأنها الوسيلةُ الوحيدة التي ستُلبِّي حاجاتٍ بداخله، وتُجِيبه عن كلِّ التساؤلات التي تدور في خَلَدِه، ولنا أن نتخيَّل الجهد والمعاناة التي مرَّ بها الصحابي سلمان الخير رضي الله عنه خلال رحلته، فأول الأشياء وأهمها فقدانه لحريته، وهو ليس بالإنسان الاعتيادي؛ فهو من عائلة ملكية العروق عند الفرس، تحوَّل خلال رحلته في البحث عن الحقيقة والراحة من إنسان حرٍّ إلى عبد مملوك فاقد الإرادة، لقد ضحَّى سلمان رضي الله عنه بالجاه والمال والعزِّ والرفاهية من أجل الراحة الرُّوحية. • في رحلة بِناء الذات، وحين نضع أيدينا على ما نؤمن به أنه الحق، نباشره في الحال ولا نؤجل العمل فيه ونُسوِّف الأمور للمستقبل، وهذا ما فعله سلمان رضي الله عنه حين وجد الكنيسة في طريقه أول مرةٍ بقي فيها إلى نهايةِ اليوم، واتَّخذ قرارات حاسمة في الموضوع. • حين يظهر في مسيرة الرحلة شخصُ مسيء، يستغل وجوده تحت عنوان معين من أجل مصالحه الشخصية، فهو يسيء للقضية، وربما يُحرِّفها إلى طريق خطأ، أو يجنح بها إلى الهاوية، وجب التعريف به وإخبار الآخرين؛ لأن ذلك في مصلحة الجميع. • استشارة أهل الفضل والصلاح والفضيلة والعلم لمعرفة الطريق المؤدِّي للحق. • تقديم المال والممتلكات وكل غالٍ من أجل القضية والوصول إلى الهدف المرسوم. • الصبر وتحمُّل مشقة ومعاناة أسفاره التي ربما تطولُ وتتواصل، فرحلة الصحابي سلمان الفارسي رضي الله عنه كانت من بلاد فارس إلى بلاد الشام (فلسطين)، ثم الرجوع إلى الموصل (العراق)، ومنه إلى نَصِيبين (بلدة على جادة القوافل بين الموصل والشام)، وبعده إلى عمورية (بلدة في بلاد الروم في وقتها)، وبعدها إلى وادي القرى (وهو بين المدينة المنورة والشام)، وأخيرًا وصل مُبتغاه في المدينة المنورة (المملكة العربية السعودية)، إنها رحلةٌ شاقَّة ولا شك، ربما قطَع خلالها آلاف الكيلومترات من أجل الراحة التي يبحث عنها. • القدوة الحسنة هو مَن يرسم الطريق للآخرين، ويدلُّهم على الحق بصدق وأمانة وإخلاص. • حين تكون الرحلة في الله ومن أجله، فإنه يُغدِق على العبد مِن الخير، فكلُّ ما يخسره العبد سيعوضه الله عنه، فسلمان الفارسي رضي الله عنه بعد فقدان الأب الحنون عوَّضه الله بأفضل وخير منه، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته؛ حيث كانوا أهلًا لسلمان رضي الله عنه، وقفوا معه، ورد اعتبار سلمان رضي الله عنه وأصبح من كبار القوم، ولكنه كبير حقيقيٌّ هذه المرة؛ لأنه كبير في الله. [1] صحيح البخاري - كتاب المناقب 3947. [2] العُرَواء: الرعشة الشديدة. [3] جاء في العين للفراهيدي: الفُقْرةُ: حفرة يفقرها الإنسان تفقيرًا لغرسِ فَسِيل. [4] مسند أحمد بن حنبل - مسند الأنصار - حديث سلمان الفارسي، 23788. رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/118845/#ixzz4rFxvOJNb
عرفات عبر وعبرات
إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾ [النساء: 1].
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾ [الأحزاب: 70، 71].
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار وبعد:
ماذا عسى لقائل أن يقول عن مشهد يعجز أبلغ البلغاء أن يصفه، وعن مشاعر فياضة يعجز الأديب والأريب أن يفصح عنها إنه مشهد يوم عرفة، يوم إكمال الدين، وإتمام النعمة، إنه عيد الإسلام، إنه يوم عرفة، أعظم الأيام وأفضلها، إنه يوم مغفرة الذنوب، والتجاوز عن الخطوب، والستر على العيوب، والفوز بالمحبوب، إنه يوم العتق من النيران، والمباهاة بأهل الموقف من قبل الرحمن، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: (ما يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء) رواه مسلم.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا كان يوم عرفة ينزل الله إلى سماء الدنيا فيباهي بهم الملائكة فيقول: انظروا عبادي أتوني شعثاً غبراً من كل فج عميق، أشهدكم أني قد غفرت لهم، فتقول الملائكة: يا رب فلان مرهق فيقول: قد غفرت لهم، فما من يوم أكثر عتيقا من النار من يوم عرفة) (1).
وفي رواية: (أشهدكم يا عبادي أني غفرت لمحسنهم وتجاوزت عن مسيئهم).
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رئي يوم بدر) (2).
أعمال يوم عرفة:
• إذا صليت الفجر وطلعت الشمس فانطلق إلى عرفة وأنت تلبي وتكبر فتقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، ترفع بذلك صوتك.
• من السنة أن تنزل في نمرة إلى الزوال.[1] إن أمكن ذلك.
• ثم تكون هناك خطبة وبعدها تصلى الظهر والعصر[2] جمع تقديم ركعتين بأذان وإقامتين، ولا يصلى بينهما ولا قبلهما شيئاً من النوافل.
• ثم تدخل داخل عرفة وتتأكد من دخولها بالحدود الموجودة لأن وادي عرنة ليس من عرفة.
• تفرغ بعد ذلك للذكر والتضرع إلى الله - عز وجل - والدعاء بخشوع وحضور قلب.
• عرفة كلها موقف وإن تيسر لك أن تقف عند الصخرات أسفل الجبل الذي يسمى جبل الرحمة وتجعله بينك وبين القبلة فهو أفضل.
• ليس من السنة صعود الجبل كما يفعله بعض عامة الناس.
• تكثر من قول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير).
• لا تخرج من عرفة إلا بعد غروب الشمس.
• بعد الغروب تنطلق إلى مزدلفة بهدوء وسكينة، وإذا وجدت متسعاً فأسرع قليلاً لأنها السنة.
• حين تصل إلى مزدلفة تصلي المغرب والعشاء، والسنة أن تجمع بينهما بأذان وإقامتين المغرب ثلاث، والعشاء ركعتين ولا تصل بينهما شيئاً، فإن كنت تخشى أن لا تصل إلى مزدلفة إلا بعد منتصف الليل بسبب الزحام أو غيره فإنه يجب عليك أن تصلي في الطريق ولو لم تصل إلى مزدلفة قبل خروج الوقت.
• ثم تنام حتى الفجر، أما الضعفاء والنساء فيجوز لهم الذهاب إلى منى بعد غياب القمر والله أعلم.
أسباب مغفرة الذنوب في يوم عرفة
أيها الحاج المبارك: من طمع في العتق من النار ومغفرة ذنوبه في يوم عرفة فليحافظ على الأسباب التي يرجى بها العتق والمغفرة ومنها:
أولاً: أن تحفظ جوارحك من المحرمات في هذا اليوم: عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: كان فلان رديف النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم عرفة قال فجعل الفتى يلاحظ النساء وينظر إليهن قال وجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصرف وجهه بيده من خلفه مراراً قال وجعل الفتى يلاحظ إليهن قال فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (ابن أخي إن هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له).[3]
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - بين في هذا الحديث أموراً ثلاثة من فعلها غفر الله له وهي:
أ- غض البصر: فلا تنظر إلى ما حرم الله فإنه في مثل هذا الموقف يبتلى الإنسان بالنظر إلى ما حرم الله من النساء الأجانب فتنظر إلى هذه وتمعن النظر في الأخرى ويذهب يومك بالنظر الغادي والرائح من النساء، والمراد بغض البصر أن يغمض المسلم بصره عما حرم عليه، ولا ينظر إلا لما أبيح له النظر إليه، ويدخل فيه أيضاً إغماض الأبصار عن المحرمات، فإن اتفق أن وقع البصر على محرم من غير قصد فليصرف بصره سريعاً[4] قال - تعالى -: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ [النور: 30]، وقال - تعالى -: ﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ﴾ [النور: من الآية31].
فأمر الله - تعالى -بغض البصر لأن البصر سهم من سهام إبليس.
قال ابن القيم - رحمه الله -: (أمر الله - تعالى -نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يأمر المؤمنين بغض أبصارهم وحفظ فروجهم، ولما كان مبدأ ذلك من قبل البصر جعل الأمر بغضه مقدماً على حفظ الفروج، فإن الحوادث مبدؤها من النظر، فتكون نظرة، ثم خطرة، ثم خطوة، ثم خطيئة، ولهذا قيل: من حفظ هذه الأربعة أحرز دينه: اللحظات، والخطرات، واللفظات، والخطوات)[5].
وقال القرطبي - رحمه الله -: (البصر: هو الباب الأكبر إلى القلب، وأعمر طرق الحواس إليه، ويحسب ذلك كثرة السقوط من جهته، ووجب التحذير منه، وغضه واجب عن جميع المحرمات، وكل ما يخشى منه الفتنة من أجله). [6].
ولذا ضمن النبي - صلى الله عليه وسلم - الجنة لم غض بصره كما في حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (اضمنوا لي ستاً من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم)[7].
وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - غض البصر من حق الطريق فقال عند سأله أصحابه فقالوا وما حق الطريق؟ قال: (غض البصر) الحديث رواه البخاري[8].
وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: (الإثم حواز القلوب، وما من نظرة إلا وللشيطان فيها مطمع)[9] وقال أنس بن مالك - رضي الله عنه - (إذا مرت بك امرأة فغمض عينيك حتى تجاوزك).[10]
ب- حفظ السمع: فلا تسمع ما حرم الله من أغاني ماجنة، أو أحاديث فاسدة قال - تعالى -: ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾ [الإسراء: من الآية36].
أي يسأل كل واحد منهم عما اكتسب فالفؤاد عما افتكر فيه واعتقده والسمع والبصر عما رأى من ذلك وسمع، ومثل هذه الأمور محرمة في كل الأحوال وفي مثل هذا اليوم - يوم عرفة أشد لأنه يوم يتجلى فيه الرب والله - تعالى -يدعو عباده ليسألوه ليغفر لهم ومع ذلك يصر على العناد والعصيان والله إن هذا لهو الخسران المبين، نسأل الله السلامة والعافية.
ح- حفظ اللسان: اللسان، الذي تستجير به جميع الأعضاء ويقلن له: اتق الله فينا فإنما نحن بك إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا، وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن حفظ اللسان وضبطه هو منشأ كل خير وأصل كل فضيلة وملاك جميع آداب الدنيا والدين فمن ملك لسانه فقد ملك أمره قال - صلى الله عليه وسلم -: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)رواه البخاري.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) متفق عليه.
ويقول - صلى الله عليه وسلم -: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة) متفق عليه.
ويقول - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه أحمد عن أنس - رضي الله عنه -: (لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه).[11].
واستقامة اللسان بقول الحق دائماً وتجنب قول السوء خاصة في مثل هذا اليوم العظيم الذي قد ينسي الإنسان نفسه من شدة وهج الشمس وحرها وزحمة الناس وسوء معاملتهم مما قد يتسبب لبعضهم بالسب والشتام واللعن والتلفظ بسيئ الكلام أو جلوس بعضهم مع بعض بالمجالس العامرة بالضحك والغيبة والنميمة والكذب ونحوها.
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل فيها في النار أبعد مما بين المشرق) رواه البخاري ومسلم.
ويقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: (من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع) رواه مسلم. فاحفظ لسانك أيها الحاج من كل شيء يشوبه.
ثانياً: الإكثار من شهادة التوحيد بإخلاص وصدق: فإنها أصل الذي أكمله الله في مثل هذا اليوم، قال ابن عمر - رضي الله عنهما -: كان أكثر دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير).
ثالثاً: الإلحاح على الله - تعالى -بالدعاء: فإن الله قريب من عباده ويجيب - سبحانه - الملحين.
لا تسألن بُني آدم حاجة
وسل الذي أبوابه لا تحجب
الله يغضب إن تركت سؤاله
وإذا سألت بُني آدم يغضب
قال - تعالى -: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ [غافر: من الآية60].
ويقول - سبحانه -: ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ﴾ [النمل: من الآية62].
وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((خير الدعاء دعاء يوم عرفة)) رواه الترمذي.[12].
وروي عن عمر رضي الله أنه قال: (إني لا أحمل هم الإجابة، ولكن أحمل هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه).
ارفع يديك إلى السماء
في لهفة مشرعا
ارفع يديك فربما
تلقى قبولا ربما
يا من قضيت العمر
من كلأ أو مشربا
العيش في الأخرى
فأدرك في معادك مغنما
ولعلي أن أذكرك أخي الحاج ببعض آداب الدعاء فمنها[13]:
1- أن تسأل الله - تعالى -بأسمائه الحسنى لقوله - تعالى -: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ [لأعراف: من الآية180].
2- البدء بحمد الله - تعالى -والثناء عليه والصلاة والسلام على رسول الله.
3- الصدق والإخلاص لله في الطلب.
4- الإلحاح وعدم الاستعجال.
5- تكرار الدعاء ثلاثاً.
6- كون المطعم والمشرب والملبس من الحلال.
7- رفع الأيدي في الدعاء واستقبال القبلة.
8- الوضوء قبل الدعاء.
9- خفض الصوت في الدعاء.
10- عدم تكلف السجع في الدعاء.
11- عدم الاعتداء في الدعاء أو الدعاء بالإثم وقطيعة الرحم.
12- لا تسال إلا الله - تعالى -وحده.
احذر أيها الحاج، يا من تكلفت المشاق وأجهدت نفسك وأنفقت مالك احذر أن تفسد عملك بالذنوب والمعاصي فإنها حاجبة الدعاء وجالبة الشقاء.
كيف نرجو إجابة لدعاء قد سددنا طريقها بالذنوب؟
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [المؤمنون: 51]، وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ [البقرة: من الآية172] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك) رواه مسلم.
قيل لإبراهيم بن أدهم - رحمه الله - ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا؟ قال: لأنكم عرفتم الله فلم تطيعوه، وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنته، وعرفتم القرآن فلم تعملوا به، وأكلتم نعم الله فلو تؤدوا شكرها، وعرفتم الجنة فلم تطلبوها، وعرفتم النار فلم تهربوا منها، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه، وعرفتم الموت فلم تستعدوا له، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس).
فيا من يطمع في العتق من النار، ثم يمنع نفسه من الرحمة بالإصرار على كبائر الإثم والأوزار: تالله ما نصحتك نفسك، توبق نفسك بالمعاصي، فإذا حرمت المغفرة قلت: أنى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم؟
إن كنت تطمع في العتق من النار فاشتر نفسك من الله ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ﴾ [التوبة: من الآية111]، من عرف ما يطلب هان عليه كل ما يبذل! ويحك يا مسكين لقد رضي منك في نفع نفسك بالندم، واكتفي منك في ثمنها بالتوبة والحزن، وفي مثل هذا اليوم قد رخص السعر: (من ملك سمعه وبصره ولسانه غفر له).
أيها الحاج الكريم: مد إلى ربك الاعتذار، وقم على بابه بالذل والانكسار، ولتسل منك الدموع الغزار وقل: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [لأعراف: من الآية23].
أحوال السلف في موقف عرفة:
أيها الحاج المبارك: لقد كانت أحوال أسلافنا الأوائل في مثل هذا اليوم محل العجب، فها هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفضل البشرية، وأزكى البرية، يقف بعد انتهائه من خطبته وصلاته رافعا يديه، يدعو ربه - عز وجل - إلى أن غربت شمس ذلك اليوم وهو على ناقته، يدعو ربه ويلح عليه بالدعاء، ويتضرع بين يديه وهو من قد غفر له ذنوبه كلها ما تقدم منها وما تأخر، وله المقام المحمود، ومع ذلك كله يستمر - صلى الله عليه وسلم - في الدعاء حتى الغروب فما ذا نقول نحن؟! وما عسانا أن نفعل؟!
وعند ما وقف الفضيل بن عياض - رحمه الله - بعرفة ورأى الناس يدعون ويبكون بكى بكاء الثكلى المحترقة حتى حال البكاء بينه وبين الدعاء فهلا فعلت مثل فعلهم؟
وهذا سفيان الثوري - رحمه الله - رئي بعرفة وهو جاث على ركبتيه وعيناه تهملان، فمن منا سيجثو على ركبتيه ليدعو ربه ويتضرع بين يديه؟!!
وقفة تأمل:
أيها الحاج: الله الله في هذا اليوم لقد حرمه غيرك وفزت أنت في شرف الوقوف فيه، فجأر إلى الله بقلب خاشع، وعين دامعة، ونفس وآجلة، أحسن الظن بالله، تب إلى الله - عز وجل -، أري الله من نفسك خيراً ولتكن عوناً لإخوانك، انشغل بالدعاء والاستغفار، وقراءة القرآن، دع عنك القيل والقال وكثرة المقال والسؤال، والانشغال بما لا ينفع الحال والمآل فما هي والذي نفسي بيده إلا لحظات ثم ينتهي هذا اليوم العظيم، فما موقفك إذا فاز الناس وخسرت؟ فازوا بالرضى والرضوان والفوز بالجنان والنجاة من النيران وخسرت أنت كله؟
أما آن لك أن تنفك الدمعة من آسارها؟ أما آن للقلب القاسي الغافل أن يخشع لربه ويخضع؟ أما آن للنفس الجموحة التي غفلت وظلمت أن ترجع إلى ربها: ﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ [الذاريات: 50].
بلى قد آن فهذا يوم الرحمات والبركات والتجليات والكرم من رب البريات.
أخطاء تقع من بعض الحجاج يوم عرفة[14]:
1- نزول بعض الحجاج خارج حدود عرفة وبقاؤهم حتى تغرب الشمس دون أي يقفوا بعرفات وهذا خطأ فادح لأن الحج عرفة وهم لم يقفوا فيها.
2- انصراف بعض الحجاج قبل غروب الشمس وهذا حرام لأنه خلاف سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث وقف إلى أن غربت الشمس.
3- أن بعض الحجاج يستقبلون الجبل جبل عرفة عند الدعاء ولو كانت القبلة خلف ظهورهم أو على أيمانهم أو شمائلهم، وهذا خلاف السنة فإن السنة استقبال القبلة كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -.
4- يعتقد بعض الحجاج أنه لا بد في الوقوف بعرفة من رؤية جبل الرحمة أو الذهاب إليه وهذا كله غير مقصود.
5- يخطئ بعض الحجاج في يوم عرفة فيبقى يومه ذاك في مسجد نمرة في الجزء الخارج من عرفات.
6- انشغال بعض الحجاج بالضحك والمزاح وفضول الكلام وإضاعة الوقت بالنوم عن الدعاء والذكر.
7- يلاحظ أن بعض الحجاج هداهم الله يلتقطون لهم صوراً (فوتوغرافية) ويسمونها صوراً تذكارية وهذا منكر.
8- يرى من كثير من الحجاج الإسراع والمسابقة بالسيارات حين الإفاضة، علماً أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال في هذا الموضع: (السكينة السكينة).
9- يعتقد بعض الحجاج أن الأشجار في عرفة كالتي في الحرم من أنه لا يجوز قطعها وليس بصواب.
10- يكره للحاج صيام يوم عرفة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف مفطراً إذ أرسل إليه قدح لبن فشربه.
وأخيراً أسال الله - تعالى -أن يحرم وجوهنا من النار، ويدخلنا الجنة مع الأبرار، اللهم إنا نسألك مسألة المسكين، ونبتهل إليك ابتهال الخائف الذليل، اللهم تقبل من الحجاج حجهم، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، واستر عيوبنا، وفرج همومنا، ونفس كروبنا، واقض ديوننا، اللهم إنا نسألك الخير كله، ونعوذ بك من الشر كله، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[1] الزوال: أي دخول وقت صلاة الظهر
[2] ولا يشترط أن يصليها في مسجد نمرة بل يصليها في المكان الذي هو فيه جماعة ولا يضايق نفسه والآخرين والله المستعان.
[3] رواه أحمد (1/329) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (3/251) رجال أحمد ثقات، وقال المنذري في الترغيب (2/131) رواه أحمد بإسناد صحيح.
[4] أنظر تفسير ابن كثير 2/ 598) بتصرف.
[5] الداء والدواء ص 232.
[6] تفسير القرطبي 2/148.
[7] رواه أحمد 5/323 واللفظ له، والحاكم 4/358 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: مرسل وله شاهد. والخرائطي في مكارم الأخلاق 31، وذكره الألباني في الصحيحة (1470) وكذا صحيح الجامع (1029).
[8] ورقمه (6229) ومسلم (2121).
[9] الترغيب والترهيب 3/36-37، وقال: الوقوف أصح وروي مرفوعاً: وقوله: (حواز) يعني ما يحوزها ويغلب عليها حتى ترتكب ما لا يحسن: وقيل بتخفيف الواو وتشديد الزاي جمع جازة وهي الأمور التي تحز في القلوب.
[10] الورع لابن أبي الدنيا ص 66.
[11] قال في المجمع (1/25): (رواه أحمد وفي إسناده على بن مسعدة وثقه جماعة من العلماء وضعفه آخرون).
[12] رواه الترمذي (3585) قال الحافظ ابن حجر في التلخيص (2/253): (وفي إسناده حماد بن أبي حميد وهو ضعيف).
[13] انظر للفائدة: كتاب الدعاء للشيخ محمد بن إبراهيم الحمد ص 26.
[14] انظر: من مخالفات الحج والعمرة والزيارة للشيخ عبد العزيز السدحان ص 98.
رابط الموضوع: http://www.alukah.net/spotlight/0/45669/#ixzz4rFy5HZNe
الحياة عبر الزمن
د. مطيع عبدالسلام عز الدين السروري [1]
الحياة عبر الزمن حياة لا يستطيعها إلا من لديه استعداد ليحياها بعد موته، لا تكون هذه الحياة بمجرد ذكر الإنسان عبر الزمن من خلال القصص المحكية للناس، أو في ثنايا الكتب، أو حتى حديثًا من خلال التسجيلات المصورة عبر وسائل التقنية الحديثة، شرط الحياة عبر الزمن هو أنها تفيد الإنسان نفسه الذي يحياها بعد موته، وتفيد غيره في نفس الوقت، أوضح مثال عليها: حياة نبي الله إبراهيم عليه السلام، الذي طلب من ربه عز وجل، كما يخبرنا رب العزة والجلال على لسانه عليه السلام، أن يجعل له الثناء الحسن: ﴿ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ﴾ [الشعراء: 84]، وأيضًا يقول الله عز وجل عنه عليه السلام: ﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ [البقرة: 130]، الحياة عبر الزمن ليست نفسها فكرة الخلود في الدنيا التي وسوس بها إبليسُ - لعنه الله - لأبينا آدم عليه السلام وزوجه، الحياة عبر الزمن فكرة مشروعة وممكنة، لا أتحدث هنا عن الشهداء الذين هم - بلا شك - أحياء عند الله، وتلك أرقى المراتب لبني آدم بعد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وإنما القصد الحياة عبر العلم النافع.
أقول - بدون تحديد يعيق الفكرة -: هناك أناس ما تزال حيةً بيننا بما تركته من إرث علمي وفكري وأدبي وإنساني وحضاري لا ينضب برغم مغادرتهم دنيانا، كانوا منشغلين بعميق الأفكار التي لا تنتهي بانتهاء المواقف والأحداث الحياتية، بل بأسس تلك المواقف والأحداث، أي كانوا غواصين في بحار العلم والفكر، والأدب والإنسان والحضارة، وليسوا مجرد سباحين مهرة، كانوا مشغولين بمسببات الأمور، ويصفون الواقع المستمر، وليس فقط واقعهم الآني حينها.
تمر الأيام والعقود والقرون والحِقَب وعلمهم وفكرهم وأدبهم ما يزال يرفد الإنسانية بجميل الصنع وطيب الأفعال، بذلك أصبحوا أصدقاء الناس عبر الزمن: أصدقاء لقومهم المعاصرين لهم، ولمن جاء بعد زمانهم في الأزمنة اللاحقة، حتى وصلوا إلى زماننا، وسيستمرون بعدما نغادر نحن هذه الحياة، تلك هي البركة، ونعمة الله في الدنيا، ولهم أجرهم في الآخرة بإذن الله، إنهم تركوا العلم النافع الذي أخبرنا عنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف القائل: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له))؛ (رواه مسلم).
لم يحتكروا المعرفة الإنسانية لهم، ولم يستحوذوا على الأزمنة استبدادًا منهم، بل ترى قوافل العلماء والمفكرين والأدباء، في كل زمان، ينضمون للقافلة الإنسانية والحضارية المضيئة، وكلهم نجوم فيها، نسأل الله أن يوفيهم أجرهم في الآخرة أيضًا بفضله وكرمه.
أسعد الله أيامكم إخواني وأخواتي القراء، وجعلنا وإياكم ممن يعيش عبر الأزمنة بجميل الصنع وطيب الأفعال أثناء وبعد فَناء الأجساد، وممن ينفعهم علمهم في الدنيا والآخرة، آمين.
[1] أستاذ مساعد، تخصص أدب إنجليزي - كلية التربية، جامعة صنعاء.
رابط الموضوع: http://www.alukah.net/social/0/94777/#ixzz4rFyKBxsj
Commentaires
Enregistrer un commentaire